ابو القاسم عبد الكريم القشيري

177

لطائف الإشارات

وأرادوا أن يكون يوسف عبدا لمن ابتاعوه من السيارة ، وأراد اللّه أن يكون عزيز مصر - وكان ما أراد اللّه . ويقال العبرة لا ترى من الحقّ في الحال ، وإنما الاعتبار بما يظهر في سرّ تقديره في المآل . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 22 ] وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 22 ) من جملة الحكم الذي آتاه اللّه نفوذ حكمه على نفسه حتى غلب شهوته ، وامتنع عما راودته تلك المرأة عن نفسه ؛ ومن لا حكم له على نفسه فلا حكم له على غيره . ويقال إنما قال : « وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ » أي حين استوى شبابه واكتملت قوّته ، وكان وقت استيلاء الشهوة ، وتوفر دواعي مطالبات البشرية - آتاه اللّه الحكم الذي حبسه على الحقّ وصرفه عن الباطل ، وعلم أنّ ما يعقب اتباع اللذات من هواجم النّدم أشدّ مقاساة من كلفة الصبر في حال الامتناع عن دواعي الشهوة . . . فآثر مشقّة الامتناع على لذّة الاتباع . وذلك الذي أشار إليه الحقّ - سبحانه - من جميل الجزاء الذي أعطاه هو إمداده بالتوفيق حتى استقام في التقوى والورع على سواء الطريق ، قال تعالى « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » « 1 » : أي الذين جاهدوا بسلوك طريق المعاملة لنهدينهم سبل الصبر على الاستقامة حتى تتبين لهم حقائق المواصلة . قوله جلّ ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 23 ] وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) لما غلّقت عليه أبواب المسكن فتح اللّه عليه باب العصمة « 2 » ، فلم يضرّه ما أغلق بعد إكرامه بما فتح .

--> ( 1 ) آية 69 سورة العنكبوت . ( 2 ) نلفت النظر إلى جمال عبارة القشيري الناتج عن المقابلة بين ( الإغلاق ) و ( الفتح ) .